أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
318
العقد الفريد
لا يموت ؛ فاستمسكوا بدينكم ، فمن ذهب له في هذه الرّدّة دينار أو درهم أو بعير أو شاة فله عليّ مثلاه ! فما خالفه منهم رجل . أما أحضر الناس جوابا فصعصعة بن صوحان ، دخل على معاوية في وفد أهل العراق ، فقال معاوية : مرحبا بكم يأهل العراق ! قدمتم أرض اللّه المقدسة ؛ منها المنشر وإليها المحشر ، قدمتم على خير أمير ، يبرّ كبيركم ويرحم صغيركم ؛ ولو أن الناس كلها ولد أبي سفيان لكانوا حلماء عقلاء ! فأشار الناس إلى صعصعة ، فقام فحمد اللّه وصلى على النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ثم قال : أما قولك يا معاوية إنا قدمنا الأرض المقدّسة : فلعمري ما الأرض تقدس الناس ، ولا يقدّس الناس إلا أعمالهم ؛ وأما قولك منها المنشر وإليها لمحشر ، فلعمري ما ينفع قربها ولا يضر بعدها مؤمنا ؛ وأما قولك لو أن الناس كلهم ولد أبي سفيان لكانوا حلماء عقلاء ، فقد ولدهم خير من أبي سفيان : آدم صلوات اللّه عليه ؛ فمنهم الحليم والسفيه ، والجاهل والعالم . وأما أحلم الناس [ فالأشجّ العبديّ ] ، فإن وفد عبد القيس قدموا على النبي صلّى اللّه عليه وسلم بصدقاتهم وفيهم الأشج ، ففرّقه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وهو أول عطاء فرقه في أصحابه ؛ ثم قال : يا أشج ، ادن مني . فدنا منه ، فقال : إن فيك خلتين يحبهما اللّه : الأناة ، والحلم ! وكفى برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم شاهدا ؛ ويقال : إنّ الأشج لم يغضب قط . جمرات العرب وهم بنو نمير بن عامر بن صعصعة ؛ وبنو الحارث بن كعب بن علة بن جلد ؛ وبنو ضبة بن أدّ بن طابخة ؛ وبنو عبس بن بغيض . وإنما قيل لهذه القبائل جمرات لأنها تجمعت في أنفسها ولم يدخلوا معهم غيرهم . والتجمير : التجميع ؛ ومنه قيل : جمرة العقبة ، لاجتماع الحصى فيها ؛ ومنه قيل : لا تجمّروا المسلمين فتفتنوهم وتفتنوا نساءهم . يعني : لا تجمعوهم في المغازي . وأبو عبيدة قال في كتاب التاج أطفئت جمرتان من جمرات العرب : بنو ضبة لأنها